"كان يا ما كانش ج2": فانتازيا سياسية ساخرة في قلب "مملكة الشمال"
الحدث الفني: عبد الحميد بوشناق يواصل كسر القواعد
يأتي الجزء الثاني من مسلسل "كان يا ما كانش" ليعمق التجربة الفريدة التي بدأها المخرج عبد الحميد بوشناق. في هذا الجزء، لا يكتفي بوشناق بتقديم الضحك، بل يغوص في فانتازيا بصرية تعتمد على عالم خيالي (مستوحى من قصص الجنيات والقرون الوسطى) لإسقاطها على الواقع المعاصر. بالتعاون مع كاتب السيناريو المبدع حاتم بلحاج، نجح العمل في خلق "كون درامي" مستقل، حيث تمتزج الكوميديا السوداء بالخيال الجامح، مما جعل المسلسل يتفرد بأسلوب "الساتير" (Satire) السياسي الذي قلّ نظيره في الشاشة العربية.
الحبكة الدرامية: "برغل" في مواجهة الدولة العميقة
تبدأ أحداث الجزء الثاني بمنعطف مصيري؛ حيث يتولى "برغل" (عزيز الجبالي) سدة الحكم بطلب شعبي عارم، محملاً بأحلام التغيير وإبعاد النظام القديم عن المشهد. لكن سرعان ما تصطدم طموحاته بواقع مرير، حيث يكتشف أن "الدولة العميقة" في مملكة الشمال متوغلة برجالها وأخطبوطها في كل زاوية. الصراع في هذا الجزء لم يعد مجرد مغامرات عابرة، بل أصبح معركة وجودية ضد منظومة قديمة تأبى الزوال، مما يضع "برغل" وأصدقاءه في مواقف كوميدية ومصيرية تعكس صعوبة الإصلاح في بيئة متكلسة.
طاقم العمل: مباراة في التمثيل بين الكوميديا والتراجيديا
يضم المسلسل نخبة من ألمع الممثلين التونسيين الذين قدموا أداءً "كاريكاتورياً" بعبقرية فذة:
عزيز الجبالي: في دور "برغل"، الذي يجمع بين البراءة والتخبط السياسي.
سوسن معالج: التي تألقت في دور مركبة يمزج بين القوة والمكر.
جهاد الشارني وسيف عمران: الثنائي الذي أضفى نكهة كوميدية خاصة بحركاتهما وحواراتهما الرشيقة.
العمالقة: حضور نور الدين بن عياد ومعز القديري أعطى للعمل ثقلاً درامياً، حيث جسدا ببراعة رموز النظام القديم والدولة العميقة.
الرؤية البصرية: عالم من الألوان والديكورات الساحرة
ما يميز "كان يا ما كانش ج2" هو الاهتمام الفائق بالتفاصيل البصرية. نجح المخرج المساعد مروة بن جميع وفريق العمل في تصميم ملابس وديكورات لا تشبه أي عمل تونسي آخر، حيث تبدو "مملكة الشمال" وكأنها خرجت من كتاب حكايات قديم ولكن بروح معاصرة. الإضاءة والألوان والتصوير السينمائي ساهموا في جعل المشاهد ينفصل عن الواقع ليدخل في عالم بوشناق السحري، حيث كل تفصيل صغير في الكادر يحمل دلالة رمزية أو رسالة سياسية مبطنة.
الرسالة الاجتماعية: النقد بالضحك والرمزية
بعيداً عن الأجواء الخيالية، يعتبر المسلسل مرآة حارقة للواقع السياسي والاجتماعي. فمن خلال قصة "برغل" والعرش، ينتقد حاتم بلحاج وبوشناق الصراعات على السلطة، البيروقراطية، والفساد الممنهج. المسلسل يطرح تساؤلات جدية حول مفهوم الثورة والتغيير؛ هل يكفي تغيير "الرأس" لتغيير "الجسم"؟ إن "كان يا ما كانش" هو دعوة للتفكير في واقعنا بعيون خيالية، مؤكداً أن الضحك هو أقصر طريق لمواجهة الحقائق القاسية.
Post a Comment