مسلسل "هذي آخرتها": حين تصطدم القصور بالحمامات في صراع البقاء
الحدث الدرامي: سامي الفهري يعود بمغامرة إخراجية جديدة
يطل علينا المخرج سامي الفهري في رمضان 2026 بعمل درامي مثير للجدل تحت عنوان "هذي آخرتها". المسلسل الذي صُوّر بتقنيات سينمائية حديثة، يأتي ليعزز مكانة الفهري كصانع للأحداث الدرامية الكبرى في تونس، حيث يختار هذه المرة الغوص في "المسكوت عنه" من خلال قصة تتجاوز الحدود التقليدية للدراما الاجتماعية. العمل يراهن على عنصر المفاجأة وكسر التوقعات، مقدماً لوحة فنية تعكس التناقضات الصارخة في المجتمع التونسي المعاصر، ومحاولاً الإجابة على سؤال أزلي: إلى أين يقودنا الجشع؟
الحبكة القصصية: عوالم متوازية يجمعها الفساد وتفرقها المبادئ
تتمحور أحداث "هذي آخرتها" حول عائلتين تعيشان في عالمين متوازيين لا يلتقيان أبداً في الظروف العادية، لكن الأقدار تقرر جمعهما في قمة "المصائب". العائلة الأولى تمثل الطبقة المخملية التي تتربع على قمة الهرم المالي، حيث تعيش في قصور فاخرة تخفي خلف جدرانها المذهبة شبكات معقدة من تبييض الأموال والفساد المالي. وفي المقابل، نجد العائلة الثانية التي تعاني ضيق الحال وتصارع من أجل البقاء، لكنها تجد نفسها متورطة في دوامة من الأحداث التي تربط مصيرها بأصحاب القصور. هذا التصادم يخلق صراعاً درامياً محتدماً يكشف زيف الرفاهية وصلابة الانكسار.
طاقم العمل: توليفة "الفهري" السحرية بين الكوميديا والتراجيديا
اختار سامي الفهري طاقماً تمثيلياً يجمع بين كوكبة من النجوم الذين عودونا على التميز، يتقدمهم بسام الحمراوي الذي يظهر في ثوب درامي جديد ومؤثر، بمشاركة سيف عمران ولبنى السديري التي تخوض تحدياً تمثيلياً كبيراً في هذا العمل. كما يبرز حضور أروى بن إسماعيل وصابر سيزار كعناصر محركة للأحداث، بالإضافة إلى سيدة الدراما التونسية نعيمة الجاني، التي تضفي دائماً لمسة من الواقعية والعمق على أي عمل تشارك فيه. هذا التنوع في الطاقم يضمن توازناً بين اللحظات الدرامية الثقيلة والمواقف الإنسانية الصادقة.
الرؤية الفنية: جمالية "الشو" والواقعية المرة
كعادته، يولي سامي الفهري أهمية قصوى للصورة والجمالية البصرية، حيث يتميز "هذي آخرتها" بديكورات فخمة وإضاءة مدروسة تعكس الفوارق الطبقية بوضوح. الإخراج يعتمد على الإيقاع السريع وتعدد الخطوط الدرامية، مما يمنع المشاهد من الشعور بالملل. الموسيقى التصويرية وزوايا التصوير المبتكرة تعمل على تعزيز حالة "التوتر" الدائم، حيث تظهر القصور كأنها سجون ذهبية، بينما تظهر الأحياء الفقيرة كساحات للمقاومة والحلم، مما يجعل من المسلسل تجربة بصرية ووجدانية مكثفة.
الأبعاد الاجتماعية: تشريح للواقع التونسي وسقوط الأقنعة
بعيداً عن بريق الشاشة، يحمل مسلسل "هذي آخرتها" رسالة نقدية حادة للواقع الاجتماعي والسياسي. العمل يسلط الضوء على آفة الفساد المالي وكيف يمكن للمال الحرام أن يدمر الروابط العائلية ويحول الأقارب إلى أعداء. العنوان في حد ذاته، "هذي آخرتها"، يوحي بالنهايات المأساوية التي تنتظر كل من سار في طريق غير سوي. إنه مسلسل يضع المرآة أمام المجتمع التونسي ليواجه عيوبه، ويؤكد أن العدالة، وإن تأخرت، فإنها ستجد طريقها دائماً لتكشف ما تخفيه الجدران والقصور.
Post a Comment