U3F1ZWV6ZTMxNzU1MTY0NjcyNzA1X0ZyZWUyMDAzMzkwMzc3MTkzOA==

المطبعة

 

مسلسل "المطبعة": تراجيديا اللون والانكسار في مواجهة قسوة الحياة



الحدث الفني: مهدي هميلي ورؤية درامية مغايرة

يبرز مسلسل "المطبعة" كواحد من أكثر الأعمال انتظاراً لعام 2026، حيث يحمل توقيع المخرج والمؤلف مهدي هميلي. يُعرف هميلي بأسلوبه السينمائي الذي يغوص في الهوامش النفسية للشخصيات، وهو في هذا العمل ينتقل إلى الشاشة الصغيرة ليقدم دراما "نخبوية" بروح إنسانية عامة. المسلسل يبتعد عن صخب الأكشن المعتاد ليقدم لوحة درامية هادئة وقوية في آن واحد، تركز على الصراع الداخلي للإنسان المبدع حينما يصطدم بصخرة الواقع المادي المرير.


الحبكة والسيناريو: جفاف الريشة وأنين الطموحات المتلاشية

تدور أحداث "المطبعة" في أجواء مشحونة بالعاطفة والشجن، حيث نتتبع قصة رسام موهوب يعيش في عزلة مرسمه الصامت. تبدأ الحكاية من نقطة الانكسار، بعد أن توالت عليه صدمات الفشل المهني وتجاهل الوسط الفني لإبداعاته، مما أدى إلى جفاف منبع إلهامه. ومع ضغط متطلبات الحياة القاسية، تتلاشى طموحاته الكبرى، ليبدأ رحلة إنسانية مؤلمة للبحث عن معنى جديد لوجوده. السيناريو يشرح بدقة كيف يمكن لـ "المطبعة" (كمفهوم مادي أو مهني) أن تكون الملاذ الأخير أو المقبرة لطموحات فنان أراد تلوين العالم فصدمه اللون الرمادي للواقع.


طاقم العمل: أداء يلامس الوجدان بقيادة يونس الفارحي

يضم المسلسل طاقماً تمثيلياً اختير بعناية لتجسيد هذه الحالة الشعورية المعقدة، حيث يؤدي الفنان القدير يونس الفارحي دور البطولة، في أداء يُتوقع أن يكون علامة فارقة في مسيرته، مبتعداً فيه عن الأدوار النمطية ليجسد انكسارات الفنان وتخبطاته. وتشاركه البطولة روضة المنصوري التي تضفي بحضورها لمسة من التوازن الدرامي، إلى جانب الممثل سليم بكار. هذا الثلاثي ينسج علاقات إنسانية متشابكة تعكس الصراع بين الفن كقيمة، وبين العمل كضرورة للبقاء.


الرؤية الإخراجية: جمالية الصمت وشعرية الصورة

اعتمد مهدي هميلي في "المطبعة" على لغة بصرية شاعرية، حيث تلعب الإضاءة والظلال داخل "المرسم" دوراً محورياً في نقل الحالة النفسية للبطل. الكاميرا في هذا العمل ليست مجرد ناقل للأحداث، بل هي عين تراقب التفاصيل الصغيرة: تجاعيد الوجه، جفاف الألوان على اللوحة، والسكينة الموحشة للمكان. من المتوقع أن يتميز المسلسل بإيقاع هادئ وتأملي، يمنح المشاهد فرصة للتفكير في مآلات المبدعين في مجتمع لا يعترف إلا بالنتائج المادية الملموسة.


الأبعاد الاجتماعية: صرخة المبدع في زمن الماديات

يحمل مسلسل "المطبعة" رسالة اجتماعية وفلسفية عميقة حول وضع الفنان والمثقف في المجتمع التونسي المعاصر. العمل يسلط الضوء على "مرارة التجاهل" وكيف يمكن للمجتمع أن يقتل الإبداع ببروده وعدم اكتراثه. إنه صرخة في وجه القسوة المادية التي تجبر أصحاب المواهب على التخلي عن أحلامهم من أجل لقمة العيش. "المطبعة" هي مرآة لكل إنسان شعر يوماً بأن طموحاته أكبر من واقعه، وهي دعوة لإعادة الاعتبار للقيم الجمالية والإنسانية فوق كل اعتبار مادي.

Comments
No comments
Post a Comment

Post a Comment

NameEmailMessage

Search This Blog