U3F1ZWV6ZTMxNzU1MTY0NjcyNzA1X0ZyZWUyMDAzMzkwMzc3MTkzOA==

حياة

 

مسلسل "حياة": مرآة المجتمع التونسي على شاشة الوطنية الأولى



العودة إلى الجذور: "حياة" والدراما العائلية الهادفة

يمثل مسلسل "حياة" رهان مؤسسة التلفزة الوطنية الأولى لهذا الموسم، حيث يعيد الاعتبار للدراما الاجتماعية التي تلتف حولها العائلة التونسية. العمل، الذي يحمل بصمة المخرجة آمنة النجار، يأتي ليقطع مع سينما "الأكشن" المفرطة، مقدماً بدلاً منها حكاية إنسانية عميقة تلامس الوجدان. من خلال هذا العمل، تثبت الوطنية الأولى وفاءها لخطها التاريخي في تقديم إنتاجات ذات جودة فنية عالية تحترم المشاهد وتطرح قضايا مستمدة من صميم الواقع التونسي المعاصر، مما جعل المسلسل يتصدر نسب المشاهدة منذ انطلاقه.


الحبكة القصصية: صمود امرأة في وجه العواصف

تدور أحداث المسلسل حول شخصية "حياة"، وهي امرأة تونسية تمثل رمزاً للصمود والتحدي في مجتمع مليء بالمتناقضات. السيناريو، الذي نسجته آمنة النجار بدقة، يغوص في تفاصيل الصراعات الطبقية، والروابط العائلية التي تختبر أمام إغراءات المادة والسلطة. لا يقتصر المسلسل على تتبع قصة "حياة" الشخصية فحسب، بل يمتد ليشمل تقاطعات مع شخصيات أخرى مثل "عزوز" (كريم الغربي) و**"مهدي" (ياسين بن قمرة)**، اللذين يظهران في هذا العمل بأدوار درامية بحتة بعيدة كل البعد عن الكوميديا، مما يضيف للقصة أبعاداً من التوتر والغموض حول علاقات الماضي والحاضر.


التجسيد الفني: مباراة في التمثيل ومفاجآت الأداء

يُعد مسلسل "حياة" منصة لإظهار القدرات الدرامية الكامنة للنجوم المشاركين. فالفنان كريم الغربي يتخلى عن عباءة الضحك ليقدم دوراً تراجيدياً مركباً يثبت نضجه الفني، بينما يواصل ياسين بن قمرة تألقه في أدوار "الشر المقنع" أو الشخصيات ذات الأسرار العميقة. كما تبرز سميرة مقرون في دور محوري يجمع بين الرقة والقوة، ويدعم هذا التميز حضور قامات فنية مثل صلاح مصدق وعزيزة بولبيار، الذين يمنحون العمل صبغة الواقعية والأصالة التونسية، بالإضافة إلى الأداء المتميز لـ نور الدين بوحجبة الذي يضيف ثقلاً خاصاً لمسار الأحداث.


الجمالية البصرية: سحر المكان وكاميرا آمنة النجار

استطاعت المخرجة آمنة النجار أن تجعل من المكان بطلاً في حد ذاته داخل مسلسل "حياة". فمن خلال زوايا تصوير مبتكرة وإضاءة دافئة تعكس الأجواء الحميمية للبيوت التونسية، خلقت المخرجة "هوية بصرية" فريدة للعمل. السينماتوغرافي المعتمدة تبتعد عن التكلف وتنتصر للبساطة الجمالية، حيث يتم التركيز على تعابير الوجوه وحركة الأجساد لنقل المشاعر دون حاجة لكثير من الحوار، مما يعطي للعمل طابعاً سينمائياً راقياً يليق بشاشة التلفزة الوطنية في عصرها الجديد.


الرسالة الاجتماعية: البحث عن المعنى وسط التحديات

بعيداً عن الحبكة الدرامية، يطرح مسلسل "حياة" تساؤلات وجودية حول مفهوم السعادة، التضحية، والبحث عن الذات. العمل يسلط الضوء على قضايا المرأة، وحقوق المستضعفين، وأهمية التمسك بالقيم في وجه الانكسارات. إنه صرخة أمل تؤكد أن "الحياة" تستمر برغم الآلام، وأن الحق لابد أن يظهر في النهاية. نجاح المسلسل يكمن في كونه لم يكن مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبح موضوعاً للنقاش في كل بيت تونسي، مما يعزز دور الدراما كأداة للتغيير والوعي الاجتماعي.

Comments
No comments
Post a Comment

Post a Comment

NameEmailMessage

Search This Blog